تأمّلات مختارة من كتابات أبونا يعقوب

صلاة افتتاحيّة

يا ربَّنا يسوع المسيح، يا مَن أفهَمتَني فضلًا عن كثيرين كثرةَ حبِّك لي، ودعوتَني اليومَ لأزدادَ أكثرَ فأكثرَ تعمّقًا به، ساعدْني لأسيرَ من الآن فصاعدًا بكلِّ شَجاعةٍ في منهاجِ الصليب الملوكيّ حيث، مع كلِّ خطوة، أراكَ بالقرب منّي. إمنحْني هذه النعمة تحديدًا، وهي أن أفهمَ سعادتي القائمة بعملِ إرادةِ الله مكرِّرًا مِثلكَ هذا القولَ السامي: “يا أبتِ… لا مشيئتي، بل مشيئتُك!” (لو 22/42).

وأنتِ يا مريم، يا أمَّ الرحمة، إطبعي في عمق فؤادي ذِكرَ هذه المشاهد الأليمة، فيسوع تأثّرَ بسببها، وذلك حتّى أكونَ في المستقبل إبنًا طائعًا للمسيح دائمًا أبدًا، هو الحيّ المالك مع الله الآب باتّحاد الروح القدس إلى دهر الداهرين، آمين.

المرحلة الأولى     

لنتأمّل يسوع محكومًا عليهِ بالموت      

“شُتِم ولم يَرُدَّ على الشَّتيمةِ بمثلِها. تألَّمَ ولم يُهَدِّدْ أحدًا، بل سلَّمَ أمرَه إلى مَنْ يحكُم بالعدل، وهو حَمل خطايانا في جسدِه على الخشبة لكي نموتَ عن خطايانا فنحيا للبـِرّ” (1 بط 2/23-24).

تأمّـل: يسوع الرحوم لا يجدُ مَن يرحمه. أصدقاؤه هربوا؛ بقي وحدَه بين أعدائه، وانتظر الحكمَ عليه. جلس بيلاطس على كرسيِّه المرتفع، ويسوع واقفٌ تحت موطئ قدمَيِّ الحاكم. الإله يسوع يصنع إرادة الإنسان، يا له من انقلاب! العبد مرتفع والسيّد منخفض؛ الشرّير يتباهى والبارّ يتلاشى؛ العدم يتكلّم، والكلمة يسوع يسكت!

يا يسوع، يا مَن حنَيتَ رأسك أمام حكم بيلاطس، وسكتَّ من دونِ أن تبرهنَ للأرضِ برارتَك وتطلبَ من السماءِ نصرتَك، علِّمني أن أحتملَ حكم الناس عليّ، وأن أسكتَ باحتمالي الشكوى إن كنتُ بريئًا.

المرحلة الثانية

لنتأمّل يسوع حاملًا صليبَه على منكبَيه                

“بسببِ عناءِ نفسِهِ يرى النُّور، ويَشبَعُ بعلمِه، يُبرِّرُ عبْدِيَ البَّارُ الكثيرين، وهو يحتمِلُ آثامَهُم” (أشعيا 53/11).

تأمّـل: مثلما حمل إسحق الحطب المـُعدَّ للمحرقة؛ ومثلما يحمل الملك صولجانه دلالةً تُثبِتُ سلطانَه المطلق على الشعب؛ ويحمل الظافر آلة تذكار ظَفَره؛ هكذا خرج يسوع وذهب للقاء صليبه فقبّله وحمله على كتفه بفرح “فصارت الرئاسة على كتفه، ودُعي اسمُه عجيبًا مُشيرًا إلهًا جبّارًا أبا الأبد رئيس السلام” (أشعيا 9/5).

لقد رضيتَ يا يسوع بحمل الصليب، ليس لخلاصي فحسب بل لتعلّمَني وتشجّعَني على حمل صلبان حياتي.

المرحلة الثالثة

لنتأمّل يسوع ساقطًا تحتَ الصليبِ للمرّةِ الأولى                      

“نيرُه على عنُقي، أوهنَ قوّتي. أسلمَني السيّد إلى أيدٍ لا أستطيع مقاومتها” (مراثي 1/14).

تأمّـل: خارت قِوى الربّ فسَقط… سقط مَن “غطّى جلالُه السماوات وامتلأت الأرض من تَسبحته” (حبقوق 3/3)؛ سقط “ليقوّي الأيدي المسترخية ويشدّد الرُكب الواهِنة” (أشعيا 35/3). سقط يسوع وجَبَلَ التراب بدمه الزكيّ، فانفتح بابُ الفردوس وأُدخل الإنسانُ المطرود.

يا سيّدي، من الناس مَن يرفض الصليب، ومنهم من يجرُّهُ بتذمّر، ومنهم من يرفعُه قليلًا عن الأرض خوفًا من التعب. ساعدني لأكونَ مِـمَّن يحملونه مرفوعًا على كتفيهم فرحين.

المرحلة الرابعة

لنتأمّل يسوع ملتقيًا أمَّهُ الحزينة                        

“بماذا أُمثّلكِ وماذا اُشبِّهُ بكِ، يا بنتَ أورشليم؟ ماذا أُساوي بكِ فأعزّيَكِ، أيّتها العذراء بنتُ صهيون؟ لأنّ تحطُّمَكِ عظيمٌ كالبحر، فمن ذا يشفيكِ؟” (مراثي 2/13).

تأمّـل: مريم ما أمكنَها أن تحمل الصليب مع ابنها، لكنّها حملَته في قلبها. إنّه لَسيفٌ رهيب! ها هي تسلّم إرادتها لإرادة ابنها، وتنظرُ إليه، وكأنّه يقول لها: يا خليلتي، إرجعي إلى الفُلك حتّى تجفَّ مياهُ طوفان الأوجاع. لا محلَّ لكِ هنا بين الجلاّدينَ والشتّامين. أجابت مريم بشجاعةِ الأمّ، وأمانةِ الأمّ، وحنانِ الأمّ: إنّ فُلكي ومحلّي وراحتي تكون في وجودي معك، وحيث أنتَ تكون.

يا مريم أمّي، سيري معي على دروب الحياة كما سرتِ معَ ابنِكِ؛ ثبّتي خطواتي وقوِّمي سبُلي.

المرحلة الخامسة

لنتأمّل يسوع معانًا من سمعان القيروانيّ في حملِ الصليب            

“سخّروا لحمل صليبِه أحدَ المارّةِ سمعان القيرينيّ أبا الاسكندر وروفُس، كان آتيًا من الريف” (مر 15/21).

تأمّـل: كلّفوا سمعان بحمل الصّليب عن يسوع، لا حبًّا به، بل خوفًا من أن يموت قبل الصّلب، فيكون قد نقص جزءٌ من بُغْضِ الصالبينَ وانتقامِهم. أمّا يسوع فرضِي بمسيرة الجلجلة هذه لكي يتمّمَ خلاصنا.

إنّي أريدُ قبل موتي أن أكونَ قيروانيًّا لك يا يسوع، مساعدًا إخوتي حاملي الصليب بعناء، وإن صادفتُ نُكرانَ جميلٍ أو كنتُ رازحًا تحت ثِقْلِ حملي، كُنْ لي يا يسوع قيروانيًّا!

المرحلة السادسة

لنتأمّل ﭬـيرونيكا ماسحةً وجهَ يسوع بالمنديل                       

“دعوتُ مُحبِّيَّ فغدروا بي… سمِعُوا إنّي أتنهَّد فلم يكُن مَن يُعزّيني… جميعُ أعدائي فتحوا عليَّ أفواههم، صَفَرُوا وصَرَفوا الأسنان، قالوا: قد ابتلعناه. هذا هو اليومُ الذي انتظرناه، وقد وَجَدْناه ورأيناه” (مراثي 1/19 و 21؛ 2/16).

تأمّـل: أين رسُلكَ يا يسوع؟ أين الجماهير التي أشبعتَها طعامًا وشفَيتَ مرضاها؟ وحدَها ﭬـيرونيكا أعلنَت جهارًا، غير هيَّابة، حبَّها لكَ، وبمنديلها مسحَت وجهكَ، فانطبعت حالًا صورتُكَ عليه. نظيرَها، نستطيعُ أن نمسح وجهكَ: فوجهُكَ يمثّلهُ المساكين والجياع والباكون والمرضى، والعميان والعُرج والمعاقون والعجزة.

يا يسوع، إجعلني أمسحُ وجهك الإلهيّ في خدمتي بأطيابِ إيماني وبلسمِ محبّتي وزيتِ رجائي.

المرحلة السابعة 

لنتأمّل يسوع ساقطًا تحت الصليبِ للمرّةِ الثانية             

“مراحمُ الربّ لم تنتهِ، لأنّ رأفته لا تزول. هي جديدة في كلّ صباح، وأمانته عظيمة” (مراثي3/22-23).

تأمّـل: ها هوذا ملك السماوات وخالق المسكونة ساقطٌ على الأرض مرَّة ثانية تحت الصليب الثقيل. سقط يسوع ليدنو منك ويعطيك يده! إنّه رجل الأوجاع، رجل الطاعة والتواضع، رجل الواجب والعمل، رجل الحبّ والتضحية، رجل التسامح وبَذل الذات…

شدّدني بقوّتك يا يسوع، لأصبح قادرًا على أن أَنهَض وأُنهِضَ الآخرين، وأحمِلَ إليهم مراحمَك التي لا تنتهي، ورأفتك التي لا تزول.

المرحلة الثامنة

لنتأمّل يسوع معزّيًا بناتِ أورشليم                                     

“تبعه جمعٌ كثير من الشعب، ومن نساء كنَّ يضربن الصدور ويَنُحْن عليه. فالتفت يسوعُ إليهنَّ قائلاً: “يا بناتِ أورشليمَ، لا تبكيِنَ عليَّ، بل ابكين على أنفسكُنَّ وعلى أولادكُنَّ” (لو 23/27-28).

تأمّـل: مَن أراد أن يجفِّف الساقية يجب أن يقطع مياهَ العين. نبع عذاب يسوع هو الخطيئة؛ وهو لم يمنع البكاء على آلامه، لكنّه يرغب أن نبكي على خطايانا، فهي سببُ آلامه.

يا يسوع إلهي ليّن قلبي لأنّه لا يبكي، أنِر عقلي طالما لا يُدرِك، إقمع إرادتي كونها لا تُقاوم، فإنّي نادِم من صميم قلبي على خطاياي.

المرحلة التاسعة 

لنتأمّل يسوع ساقطًا تحتَ الصليبِ للمرّة الثالثة            

“إغتسِلوا وتطهَّروا، وأَزيلوا شرَّ أعمالكم من أمامِ عينيَّ، وكُفُّوا عن الإساءَة… لو كانت خطاياكم كالقِرمزِ تبيضُّ كالثلج، ولو كانت حمراء كالأرجُوان تصير كالصوف” (أشعيا 1/16 و 18).

تأمّـل: إنّ سببَ سقوط يسوع مرّة ثالثة هو أنّه بسط على الأجيال السابقة والمـُقبلة أيدي الرحمة والشفقة، إلاَّ أنّهم لكثرة جنونهم سخروا بمحبّته لهم. اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسّوا قلوبكم، لأنّ إلهنا إلهٌ غفور وكثير الرحمة، لا يُريد موت الخاطئ بل حياته.

في الصليب الخلاص، في الصليب الحياة، في الصليب الحماية، في الصليب فرحُ الروح، في الصليب كمالُ القداسَة. قوِّني يا يسوع لكي أَقبلَ صليبي قلبًا وقالبًا.

المرحلة العاشرة

لنتأمّل يسوع مُعرًّى من ثيابه ومسقيًّا خَلًّا ومرًّا                

“جَعَلُوا في طَعَامي مَرَارةً وفي عطشي سَقَوني خلاًّ” (مز 69/22).

تأمّـل: يسوع تعرَّى من كلّ أمر ما خَلا حبَّه الشديد لنا. فعَن حبّه عجز أعداؤه وجلاّدوه. تعرّى ابنُ الله المتوشّح بالنور، المـُلبِس البشرَ ثيابًا، والسماء غيومًا، والطيور ريشًا، والأرض نباتًا وزهورًا، ليكسوَ الخاطئ ثوب النعمة، ويكفّر عن عُري آدم…

يا قلب يسوع إلهي، أستحلفك أن تنـزع من قلبي كلَّ تعلُّق مغاير ومضادٍّ لعواطف قلبك الأقدس.

المرحلة الحادية عشرة 

لنتأمّل يسوع مسمَّرًا على الصليب                             

“أرفعُ عينيَّ إلى الجبال، من أين تأتي منه نُصرتي؟ نصرتي مِن عندِ الربِّ صانعِ السّماواتِ والأرض” (مز 121/1-2).

تأمّل: اليدان اللتان شفتا المرضى وأقامتا الموتى، ولم ترتفعا إلاّ للمباركة، تُسَمَّران اليوم! والرِجلان اللتان تعبتا في التفتيش عن البائس تُثقَبان! والقلب الذي ما انفكّ أبدًا عن الحبّ يُجرَح! باستحقاق آلامه، كتب صكَّ خلاصنا، لا على ورق بل على جسده الإلهيّ، لا بقلم بل بمسمار من حديد، لا بحِبر بل بدمه الأقدس!

طوبى لمن تسقيه يا إلهي من هذه المرارة بعدما شرِبْتَها؛ طوبى لِمَن هيْئةُ عارك جعلتْه يحتقرُ أباطيلَ العالم؛ طوبى لِمَن مساميرُك قد سمّرتْهُ على صليبِك بشِدّة، حتّى إنّه ما عاد يقدر أن يمدّ يدَيه وذراعَيه إلّا نحو السماء.

المرحلة الثانيةَ عشْرَة

لنتأمّل يسوع مائتًا عند الصليب

“أُحْصِيَ مع العصاة وهو حملَ خطايا الكثيرين وشفعَ في معاصيهم” (أشعيا 53/12).

تأمّـل: المكان واحد، الصليب واحد، الفادي واحد، ومع ذلك لصٌّ يخلُص ولصٌّ يهلك في يوم خلاص البشر! قد هلك بالقرب من شجرة الحياة؛ فما القولُ عَمَّن هم بعيدون. “أيّها اللصّ، ما نسيتَ مهنتك، حتّى وأنتَ معلّق على الصليب. كنتَ تُنهِبُ الناس خيراتـِهم، وهنا اختلسْتَ وانتشلْتَ الفردوس الأبديّ” (يوحنّا فم الذهب).

يا يسوع حبيبي نظِّف نفسِي، إغسلها بدمك، زيّنها بنعَمِك لتكون عند النفس الأخير معروفةً منك وعروسَةً لائقة للجلوس معك في ملكوتك السماويّ.

المرحلة الثالثةَ عشْرَة

لنتأمّل يسوع مُنزَلاً عن الصليب وموضوعًا بين ذراعَيِّ أمّه        

“قال لأمِّه: “أيّتها المرأة، هذا ابنك”. ثمّ قال للتلميذ: “هذه أمُّك” (يو 19/26).

تأمّـل: قبْل موته أعطانا المسيح أمّه، فأضحت أمَّ البشر أجمعين. إنّها حقًّا أمّ الله، ومحبَّتها تفوق كلّ محبّة أموميّة، وعذابها أيضًا. هي تشعر نحونا بمشاعر الأمّ نحو ابنها، تحمينا وتدافع عنّا.

يا مريم، عندما أُنزلَ وحيدُكِ عن الصليب، قبِلتْهِ وقبَّلتهِ ووضعتهِ في حضنكِ، فاجعليني أحذو حذوَكِ.

المرحلة الرابعةَ عشْرَة

لنتأمّل يسوع موضوعًا في القبر                                 

“جاء رجل اسمُه يوسف، […]، وهو امرؤٌ صالحٌ بارٌّ […]، وكان ينتظر ملكوت الله، […]. فأنزله عن الصليب ولفّه في كتّان، ووضعَه في قبرٍ حُفِر في الصخر لم يكن قد وُضعَ فيه أحد” (لو 23/50 – 53).

تأمّـل: خلق الله السّماوات والأرض بكلمة، أمّا عمل الخلاص فكلّفه موتَ ابنه. ما قيل عن راحة الله في اليوم السابع، دلَّ على راحة المسيح في القبر إلّا أنّ هذا الجسد الفاقد الروح، يسهر عليه الله الآب، والملائكة تحيط به وتكرّمه.

علِّمني يا يسوع أن أدفنَ معكَ في القبر أميالي ورذائلي حتّى أستحقَّ دخولَ السماء مثلَك.

المرحلة الخامسةَ عشْرَة

لنتأمّل يسوع قائمًا من بين الأموات           

“أمّا وقد قمتم مع المسيح، فاسعوا إلى الأمور التي في العُلى […]، لا في الأمور التي في الأرض، لأنّكم قد متُّم وحياتُكم محتجبةٌ مع المسيح في الله. فإذا ظهر المسيح الذي هو حياتكُم، تظهرون أنتم أيضًا عندئذٍ معه في المجد” (قول 3/1-4).

تأمّـل: عبثًا طلب أعداءُ يسوعَ منه أن ينـزل عن الصليب ليؤمنوا به. لم يُلَبِّ طلبهم بل سلّم ذاته إلى الموت، والموت أماته. أمّا في قيامته فقد تغيّر كلّ شيء: رجل الأوجاع صار ملكَ المجد؛ ألميْتُ يقتلُ اليوم الموت!

المجد لجسدك يا إلهي الخارج ظافرًا من القبر، وللاهوتك المعلِن قدرتك ببهاءٍ وسناءٍ عجيبَين.